لكسر
09-04-2007, 05:53 PM
تعاقب على حكم أفغانستان عبر التاريخ دول وإمبراطوريات قوية احتلت تلك المنطقة من العالم فأصبحت جزء منها ، ومن الإمبراطوريات والدول المعروفة على مر التاريخ :
1- الحكم الإخميني : واصلهم من بلاد فارس .
2- الإسكندر المقدوني : الذي انتصر على الإخمينيين .
3- الإمبراطورية الكوشانية : وقد حكمت بلاد الأفغان في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد .
4- الحكم الساساني : الفارسي المجوسي .
5- الفتح الإسلامي : بدايته على يد الأحنف بن قيس التميمي سنة (22) للهجرة . وتعاقب على أفغانستان الكثير من الدويلات والإمارات في العهد الإسلامي ، فمنها : الدولة الطاهرية ، والدولة الصُّفّارية ، والدولة السَّامانية ، والدولة الغزنويّة ، والدولة الغورية ، والدولة السّلجوقية ، والدولة الخوارزمية ، والدولة المغولية ، ودولة الأوزبك ، والدولة الصفويّة الرافضية ..
6- أفغانستان الحديثة : تأسست على يد أحمد شاه الأبدالي (ولقب بأحمد شاه الكبير ، وأحمد شاه بابا) ، وهو من قندهار .
7- الحكم الشيوعي : وهؤلاء كانوا مدعومين من قبل السوفييت دخلوا أفغانستان بزعم طلب حاكم أفغانستان الشيوعي منهم ذلك.
8- حكم أمراء الجهاد : الذين حرروا أفغانستان من السوفييت.
9- الإمارة الإسلامية : أو ما عرف بـ "حكومة طالبان" .
10- الحكم الأمريكي : نسأل الله أن يحرر أرض الأفغان الأبية من أيدي الصليبيين والمنافقين .
إن أفغانستان الحديثة هي جزء مما عرف في التاريخ الإسلامي ببلاد خراسان التي فتحها التابعي الجليل "الأحنف بن قيس التميمي" - سيد بني تميم ، ومن سادات المسلمين - دخلها سنة (22) للهجرة في خلافة عمر رضي الله عنه ، وفتح أول ما فتح مدينة "هراة" المحاذية للحدود الإيرانية (والتي يحكمها الآن "إسماعيل خان" الطاجيكي الرافضي) .. كان لخراسان تأثير كبير في التاريخ الإسلامي فمنها خرجت الرايات الخراسانية التي استقرت في العراق لتؤسس دولة الخلافة العباسية ، ومنها الكثير من القادة الكبار والعلماء الأفذاذ (انظر البداية والنهاية لابن كثير) ..
وبلاد الأفغان معروفة منذ القدم بمشاكلها الداخلية لاختلاف الأعراق والمذاهب فيها وقوة رجالها وأنفتهم وتعصبهم ، ولا تستقر هذه البلاد إلا بوجود حكومة مركزية قوية تُحكّم شرع الله .. وقد ذكر ابن بطوطة أفغانستان في رحلته فقال "يكثر فيها القتل وقطع الطريق" ، وقد تعرض هو بذاته للسرقة فأُخذت أمواله وسُلبت ملابسه !! ..
لقد استعصت هذه البلاد على الغزاة من الخارج طوال تاريخها لطبيعتها الجبلية المنيعة حيث تتخللها سلسلة جبلية تشكل معظم أراضيها ، وهي :
1. جبال هندوكش : وهي أبرز مظهر في تضاريس أفغانستان وتلي جبال الهيمالايا في الارتفاع ، وهي بصورة عامة منطقة موحشة إلّا من بعض القرى الجبلية التي يقطنها بعض الرعاة .
2. جبال سليمان : وهي جبال عظيمة الارتفاع وتمتد من هضبة بامير وتتجه جنوبا في سلاسل متقاربة تحتضن بينها أودية عميقة ، وهذه الجبال هي الدرع الواقي والحصن المنيع لأفغانستان عند حدودها الشرقية .
3. هضبة بامير : وهي أعلى هضاب في العالم وأشدها وعورة وأشقها مرتقى ، وتسمى عادة "سقف العالم" .
4. ومن الجبال الأخرى المعروفة في أفغانستان جبال تبريز وجبال تودغر وجبال سين غر .
وهذه الجبال هي التي يتحصن فيها المجاهدون الأفغان والمهاجرون اليوم في حربهم ضد النصارى الكفار الأمريكان ، نسأل الله للمجاهدين النصر والتمكين ..
لم تمتنع أفغانستان من الغزاة بجبالها فقط ، بل امتنعت بصلابة أهلها وقوة شكيمتهم ، فالشعب الأفغاني شعب قوي شديد متمرس على القتال ، وقد وصفهم بعض المؤرخون فقال بأن لهم : وجوهاً من الصخر ، وقلوب أسود ، وعيون صقور ، وسيقان فهود !!
لقد كان البريطانيون يطلقون على الأفغاني لقب "التيس الجبلي" وذلك لإستحالة ترويضه ، وكانت هناك كلمة شائعة في الإمبراطورية البريطانية ، حيث كانوا يقولون : "لقد استطعنا أن نخضع جميع العالم لسطوتنا إلا البدوي في صحراء جزيرة العرب والتيس الجبلي في أفغانستان" !!
لقد كانت أفغانستان مرتعاً للفتن والقلاقل على مر العصور ، ولعل الجهل المتفشي بين العوام مع ما في طبيعتهم من عناد وأنفة بالإضافة إلى تسلحهم الذي يعد من الأعراف المحترمة بينهم ساعد على تكوين هذا الجو المشحون بالتصادم والتناحر ، ولكن الأمر الأهم الذي أوجد مثل هذه الإضطرابات في هذه البلاد هو وجود أقليات طائفية وعرقية متعصبة لمذاهبها الدينية ، فمن هذه المذاهب :
1- المذهب السني (الحنفي) : ويدين به أغلب سكان أفغانستان ، فغالبية البشتون ومعظم الطاجيك والأوزبك وبعض الهزارة من أهل السنة الأحناف ..
2- المذهب الرافضي الجعفري : وهم أكثر قبائل الهزارة والقزلباش وكثير من الطاجيك ، وعلى رأس رافضة الطاجيك اليوم "إسماعيل خان" حاكم هراة .
3- المذهب الإسماعيلي : ومركزهم بغلان وبدخشان ، ولهم نشاط كبير وخطير لتقويض دعائم حياة المجتمع الأفغاني المسلم .
4- الشيوعية : بدأت الشيوعية في أفغانستان في عهد الملك "أمان الله خان" الذي حكم بين (1919- 1928م) ، والشيوعيون أخلاط من شتى القبائل وعقيدتهم في اضمحلال بعد هزيمة السوفييت على أيدي المجاهدين ، ولله الحمد.
5- العلمانية : وهم خليط من العرقيات الأفغانية ، تأثروا بالغرب الكافر وبمدنيته فسقطوا فيما سقط فيه إخوانهم المرتدين في سائر بلاد المسلمين ..
6- الصوفية : تغلب على أكثر سكان أفغانستان المسحة الصوفية لإنتشار الجهل بين عامة الشعب ، وهناك الكثير من غلاة المتصوفة في هذه البلاد.
7- وهناك طائفة يهودية قليلة العدد جداً منبوذة لا تأثير لها على مجريات الأحداث (ولعلها اندثرت).
وهنا يتبين لنا بطلان التعميم الذي يطلقه كثير من الناس على الشعب الأفغاني : فكثير من العوام لا يدركون هذه الخلفية العقدية لبلاد الأفغان ، وعندما يقوم بعض الأفغان بممارسات خارجة عن الشريعة الإسلامية يُطلق هؤلاء الحكم على سائر الأفغان فيرمونهم بالبعد عن الدين وبالكفر والشرك وما إلى ذلك ، وقد استغل أعداء الإسلام - من الكفار والمنافقين - هذا الجهل وأخذوا يخلطون على الناس بهذا التعميم لينفروا المسلمين من إخوانهم في الدين في أفغانستان !!
لا أعرف فترة رخاء أو استقرار مرت في تاريخ أفغانستان القديم أو الحديث إلا في ظل حكم إسلامي قوي يردع الظالم ويأخذ بيد المظلوم ويحكم البلاد بحكم شرعي مدعوم بيد من حديد : كما كان في عهد الإمارة الإسلامية .. وكم هي خاطئة العبارة التي يتداولها الكثير من الكتاب بأن "أفغانستان بلد أنهكتها الحروب على مر (20) عاماً " !! فالحقيقة أن أفغانستان لم تتوقف فيها الحروب منذ قرون كثيرة إلا لفترات إستثنائية قصيرة ، وأهلها قد ألفوا هذه الحروب وعدوها جزء من حياتهم ..
مع أمير المؤمنين !!
وبمعرفة هذه الخلفية الثقافية والعرقية لأفغانستان وقندهار والبشتون تتضح بعض معالم شخصية أمير المؤمنين – حفظه الله – ، هذا الرجل الذي وقف في وجه العالم مدافعاً عن عقيدته ومبادئه ..
فمن بطن قندهار ، ومن صلب قبائل البشتون الجبلية ، ومن أرض الأفغان الأبية خرج أمير المؤمنين المللا محمد عمر حفظه الله :
وُلد – حفظه الله - في "أورزجان" ، وكان مولده سنة 1962 ميلادية ، أي أن عمره - لحظة كتابة هذه المقالة - حوالي الأربعة والأربعين سنة .. بدأ حياته الجهادية بعيداً عن الأضواء ، ليست له خطب جماهيرية أو مقابلات صحفية ، أمضي فترة الجهاد ضد القوات السوفيتية قائداً لمجموعة من المجاهدين في جبهة القائد ملا "تيك محمد" التابعة للجمعية الإسلامية بولاية قندهار ، وجرح في المعارك ضد السوفيت وفقد إحدى عينيه ، ثم انتقل من منظمة إلى منظمة حتى أستقر آخر الأمر - قبل ظهور حركة الطلبة - في "حركة الإنقلاب الإسلامية" (بقيادة : مولوي محمد نبي) ، وبعد دخول المجاهدين كابول أراد أن يكمل دراسته في مدرسة صغيرة بمنطقة "سنج سار" بمديرية ميوند بولاية قندهار ، ولكن الفساد العارم والبلاء المستطير الذي حل بأفغانستان نتيجة تصارع الأحزاب الجهادية السالفة على السلطة جعل الملا عمر يبدأ في التفكير بمحاربة الفساد والقضاء على المنكرات التي انتشرت في تلك المنطقة ومعظم أفغانستان ..
جمع من دونه من طلاب المدارس الدينية والحلقات لهذا الغرض في صيف (1994) ، وبدأوا العمل بمساعدة بعض التجار والقادة الميدانيين ، قام ومعه فريق صغير من طلاب العلوم الشرعية والمولوية الأفغان في قندهار بمطاردة بعض اللصوص الذين كانوا قد سرقوا قافلة من المسافرين وخطفوا بعض النساء قرب قندهار ، فاستولى الطلاب ، وعلى رأسهم الملا محمد عمر ، على أسلحة اللصوص وعثروا على بعض النسوة مقتولات . ثم فر اللصوص أمامهم من قندهار . فعزل أهل تلك الجهة واليها التابع لرباني (حاكم كابل آن ذاك) لعجزه عن الاحتساب على اللصوص وعينوا الملا محمد عمر أميراً عليهم . فأعلن تطبيق الشريعة في قندهار التي فرحت به وبأتباعه من طلبة العلم الشرعي .
وهذه قصة البداية يرويها أمير المؤمنين بنفسه والتي جاءت على لسانه في تسجيل بثته إذاعة "صوت الشريعة" في قندهار، وكانت الإذاعة الناطقة باسم الإمارة الإسلامية ، قال حفظه الله :
" كنت أدرس في مدرسة ببلدة "سنج سار" بقندهار مع حوالي 20 من زملائي الطلاب ، فسيطر الفساد على الأرض ، واستشرى القتل والنهب والسلب وكان الأمر بيد الفسقة والفجرة ، ولم يكن أحد يتصور أنه من الممكن تغيير هذا الوضع وإصلاح الحال ، ولو فكرت أنا أيضًا وقلت في نفسي {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} لكفتني هذه الآية ، ولتركت الأمر ، لأنه لم يكن في وسعي شيء ، لكنني توكلت على الله التوكل المحض ، ومن يتوكل على الله هذا النوع من التوكل لا يخيب أمله أبدًا .. لعل الناس يتساءلون :
متى بدأت الحركة ؟
ومن كان وراءها ؟
ومن يمولها ؟
ومن يوجهها ويديرها ؟ .
وأقول : بداية الحركة أنني طويت الكتب في المدرسة في سنج سار ، وأخذت معي شخصًا آخر وذهبنا مشيًا على الأقدام إلى منطقة زنجاوات ، واستعرت من هناك دراجة نارية من شخص اسمه سرور ، ثم ذهبنا إلى تلوكان .. هذه هي بداية الحركة ، وأخرجوا كل تصور غير هذا من أذهانكم .
بدأنا نزور الطلاب في المدارس وحلقات الدرس في صباح ذلك اليوم ، وذهبنا إلى حلقة درس يدرس فيها حوالي 14 شخصًا ، فجمعتهم في دائرة حولي وقلت لهم : إن دين الله يداس تحت الأقدام ، والناس يجاهرون بالفسق ، وأهل الدين يخفون دينهم ، وقد استولى الفسقة على المنطقة كلها ، يسلبون أموال الناس ، ويتعرضون لأعراضهم على الطرق العامة .. يقتلون الإنسان ثم يسندونه إلى حجر على قارعة الطريق ، وتمر به السيارات ويرى الناس الميت ملقى على قارعة الطريق ولا يجرؤ أحد على أن يواريه التراب .
قلت لهم : لا يمكن الاستمرار في الدراسة في هذه الظروف ، ولن تحل هذه المشكلات بالشعارات المجردة ، نريد أن نقوم نحن الطلبة ضد هذا الفساد ، إن أردتم العمل لدين الله حقيقة فلنترك الدراسة ، وأصارحكم القول بأنه ما وعدنا أحد أن يساعدنا بروبية واحدة ، حتى لا تظنوا أنا سنوفر لكم الطعام ، بل سنطلب الطعام والمساعدة من الشعب .
قلت : إن هذا ليس عمل يوم ولا أسبوع ولا شهر ولا سنة ، بل سيأخذ وقتًا طويلاً .. هل تستطيعون القيام بذلك أم لا ؟
وكنتُ أشجعهم وأقول لهم : إن هذا الفاسق الجالس في مركزه مثل القدر الأسود لشدة الحر (وكانت تلك الأيام في فصل الصيف شديدة الحرارة) يحارب دين الله علانية ، ونحن ندعي أننا من أهل دين الله ولا نستطيع أن نقوم بعمل شيء لنصرة شرعه .
قلت لهم : إننا إن فتحنا منطقة سندافع عنها ، ثم لا تعترضوا لعدم وجود دراسة أو لعدم توافر المال والسلاح ، فهل تستطيعون القيام بهذا العمل .. أم لا ؟
فلم يوافق أحد من هؤلاء الـ14 على القيام بهذا العمل ، وقالوا : يمكن أن نقوم ببعض الأعمال أيام الجمعة ، فقلت لهم من سيقوم به في الأيام الأخرى ؟
أشهد الله على أن الحقيقة هي هذه ، وأنني سأشهد بذلك أمام الله عز وجل يوم الحشر ..
هذه الحركة نتيجة التوكل المحض لأنني لو قست على هذه الحلقة باقي المدارس والحلقات لعدت إلى مدرستي ، لكنني وفيت بالعهد الذي كنت قطعته على نفسي لله تعالى فعاملني بما ترون ، فذهبت إلى حلقة درس أخرى وكان فيها حوالي 7 طلاب ، فعرضت الأمر عليهم كما عرضت على طلاب حلقة الدرس الأولى فاستعد الجميع للعمل .
هؤلاء كلهم أمة واحدة ، لم تكن بينهم فروق الشباب والشيخوخة أو الطفولة والشباب أو الذكورة والأنوثة ، لكن هذا العمل كان مبنيًا على حكمة من الله تعالى ، فأوقعني منذ بدايته في الامتحان ، فتجولنا على هذه الدراجة إلى صلاة العصر على المدارس وحلقات الدرس ، حتى استعد 53 شخصًا من أهل التوكل المحض ، فعدت إلى مدرستي وقلت لهم : تأتون غدًا الصباح ، لكنهم جاءوا في الساعة الواحدة ليلاً إلى سنج سار ، فكانت هذه هي البداية ..
إن العمل بدأ قبل أن تمضي على الفكرة 24 ساعة ، وكان أحد أصدقائي يصلي بالناس ، فلما صلى بهم صلاة الفجر قال أحد المأمومين إنني رأيت الليلة في المنام أن الملائكة دخلت إلى سنج سار ، وكانت أيديهم ناعمة ، فطلبت منهم أن يمسحوني بأيديهم (للتبرك) ..
وطلبنا في صباح الغد الساعة العاشرة سيارتين من "الحاج بشر" أحد تجار المنطقة ، فأعطانا سيارتين سيارة صغيرة ، وسيارة شحن كبيرة ، فنقلنا هؤلاء الطلاب إلى منطقة "كشك نخود" وانضم إلينا آخرون ، ولما كثر العدد استعرنا الأسلحة من الناس ، فكانت هذه بداية هذه الحركة حتى استمرت" (انتهى كلامه حفظه الله ونصره ومن معه من المجاهدين) ..
نعم ، هذه هي بداية الحركة قبل أن تحارب أمريكا الإمارة ، ولكن بعد أن أعلنت أمريكا الحرب على الإمارة الإسلامية تغير التاريخ ، وتغيرت الحقائق ، وأصبح الطلبة عملاء لدولة أجنبية أو دمى في يد المخابرات الباكستانية أو مجموعة همج وقطاع طرق وقتلة يريدون العلو في الأرض والفساد !! وكم قرأنا من كتب وتحليلات وتهم وحِيل ومكر واتهامات كيلت للإمارة الإسلامية بأقلام تدعي الإسلام !! وها هي كتب القوم لا زالت في المكتبات ولا زالت كلماتهم السوداء التي كقلوبهم تحكي قصة الكذب والدجل والعمالة والغباء المتأصل في من لا ثوابت لهم ولا مبادئ ، فتراهم كالغصن يميل مع الريح ، وكالريشة تتطاير مع هواء الأحداث ليس لها قرار !!
ها قد علم القاصي والداني بأن الطلبة لم يكونوا في يوم من الأيام ألعوبة في يد المخابرات الباكستانية ، فها هي الحكومة الباكستانية رمتهم وأمريكا عن قوس واحد .. وها هم الطلبة أثبتوا (كما سيأتي) للعالم أجمع بأنهم أهل السياسة وأصحابها وسابري غورها ، فلم تنطلي عليهم حيل أمريكا ومنافقي العراب والعجم وسائر أهل الأرض ، ولم يعبهوا بهذه الالاعيب القديمة والسياسات الملتوية فثبتوا ثبوت الجبال وصمدوا صمود الأبطال وأبطلوا جميع حيل الكفار ..
نعود غلى أمير المؤمنين والأحداث :
انتشر خبر الأمن والارتياح الحاصل في قندهار فحضرت وفود من طلبة العلم وأهالي الولايات الجنوبية الغربية المجاورة لقندهار وطالبت هؤلاء الطلاب بتسلّم إدارة تلك الولايات وتطبيق الشريعة فيها ، وأعانوهم على وضع تلك الولايات تحت سلطانهم وحكم الشريعة ، وبذلك سيطر الطالبان (جمع كلمة "طالب" بالبشتو ، ويقصدون بها طالب العلم الشرعي) على نحو خُمس أفغانستان بلا قتال وإنما رغبة من الأهالي بالشريعة والأمان .
ونتيجة لمكانة العلماء والمولوية والملالي طلاب العلم الشرعي في المجتمع الأفغاني ، تقدم الطلبة إلى الولايات الأخرى شمالاً وشرقاً دون عناء يُذكر ، ولم يعلن رباني - الحاكم في كابل - موقفاً منها لعلمه بأن قوات غريمه حكمتيار هي التي تفصل بين مناطقهم وكابل ، بل عرض مساعدته لهم كحركة شرعية تقوم بالاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن حكمتيار أصدر أمراً لقواته بعدم التسليم للطلبة وبدأ القتال معهم في منطقة غزني ثم شمالاً وصولاً إلى كابل حيث سقطت مواقعه الواحدة تلو الأخرى بدون قتال أو بقتال خفيف حيث تردد معظم القواد والأحزاب وحتى السراق وقطاع الطرق في قتال طلبة العلم الشرعي ..
سلمت الأحزاب الأخرى مثل حزب "يونس خالص" وقوات "حقاني" مناطقهم للطلبة في بكتيا وخوست وامتنع معظم قواد "سياف" عن قتال الطلبة وسلموا "ننكرهار" وعاصمتها "جلال أباد" لما رأوا من سلوك الطلبة وتطبيقهم الشريعة وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ونشرهم الأمان وملاحقتهم قطاع الطرق وتأمينهم للسبل .
وبعد وصول الطلبة إلى مشارف كابول عُقد اجتماعا عاما للعلماء فيه (1500) شخص واستمر من (31/3 وحتى 3/4/1996) وتم انتخاب " الملا محمد عمر" أميراً لحركة الطلبة رسميا ولقب بـ "أمير المؤمنين" ومنذ ذلك اليوم تعتبره "طالبان" أميرا شرعيا لها ، له في نظرهم جميع حقوق الخليفة ..
وصل الطلبة إلى تخوم كابل وتقدموا إلى رباني بطلبات من نقاط عدة ، أهمها :
1- تطبيق الشريعة.
2- إخراج الشيوعيين وأذنابهم من الحكومة.
3- إخراج النساء من دوائر الدولة .
4- منع الفساد ودور الدعارة والسينما والموسيقى والفيديوهات الفاسدة التي انتشرت في كابل .
طلب رباني منهم وفداً للتفاوض معهم ، فأرسلوا له وفدا غدرت بهم قوات وزير دفاعه بعد أن عاهدوهم على تسليم السلاح ووقف القتال وبدء التباحث ، فقتلوا عدداً من وفد الطلبة الذين جاؤوهم (ذكر أن عدد الذين قتلوا كان نحو مائتين وخمسين من الطلبة) ، فما كان من الطلبة إلا أنهم هاجموا كابل التي سقطت بسرعة كبيرة في ليلة السادس والعشرين من سبتمبر 1996م ..
استولى الطلبة على المناطق الشمالية في أفغانستان عام 1997 للميلاد ، وسقطت باميان (مركز الرافضة في أفغانستان) سنة 1998 م ، وسقط قبله وادي كيان الذي تستحكم فيه قوات الإسماعيلية الأغاخانية ، وغنم الطالبان فيه غنائم تستعصي على الحصر من السلاح ، ويذكر أن أهل السنة لم يدخلوا هذا الوادي الإسماعيلي منذ 800 سنة مضت ..
هكذا ، وفي أقل من أربعة سنوات ، سيطر الطلبة على (95%) من أرض أفغانستان منذ أن تحرك الملا محمد عمر – حفظه الله – وإخوانه للذود عن شرف مجموعة من النساء المسلمات خطفهن بعض اللصوص وقطاع الطرق ..
كتبه
خادم أمير المؤمنين
حسين بن محمود
29 ذو القعدة 1426هـ
1- الحكم الإخميني : واصلهم من بلاد فارس .
2- الإسكندر المقدوني : الذي انتصر على الإخمينيين .
3- الإمبراطورية الكوشانية : وقد حكمت بلاد الأفغان في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد .
4- الحكم الساساني : الفارسي المجوسي .
5- الفتح الإسلامي : بدايته على يد الأحنف بن قيس التميمي سنة (22) للهجرة . وتعاقب على أفغانستان الكثير من الدويلات والإمارات في العهد الإسلامي ، فمنها : الدولة الطاهرية ، والدولة الصُّفّارية ، والدولة السَّامانية ، والدولة الغزنويّة ، والدولة الغورية ، والدولة السّلجوقية ، والدولة الخوارزمية ، والدولة المغولية ، ودولة الأوزبك ، والدولة الصفويّة الرافضية ..
6- أفغانستان الحديثة : تأسست على يد أحمد شاه الأبدالي (ولقب بأحمد شاه الكبير ، وأحمد شاه بابا) ، وهو من قندهار .
7- الحكم الشيوعي : وهؤلاء كانوا مدعومين من قبل السوفييت دخلوا أفغانستان بزعم طلب حاكم أفغانستان الشيوعي منهم ذلك.
8- حكم أمراء الجهاد : الذين حرروا أفغانستان من السوفييت.
9- الإمارة الإسلامية : أو ما عرف بـ "حكومة طالبان" .
10- الحكم الأمريكي : نسأل الله أن يحرر أرض الأفغان الأبية من أيدي الصليبيين والمنافقين .
إن أفغانستان الحديثة هي جزء مما عرف في التاريخ الإسلامي ببلاد خراسان التي فتحها التابعي الجليل "الأحنف بن قيس التميمي" - سيد بني تميم ، ومن سادات المسلمين - دخلها سنة (22) للهجرة في خلافة عمر رضي الله عنه ، وفتح أول ما فتح مدينة "هراة" المحاذية للحدود الإيرانية (والتي يحكمها الآن "إسماعيل خان" الطاجيكي الرافضي) .. كان لخراسان تأثير كبير في التاريخ الإسلامي فمنها خرجت الرايات الخراسانية التي استقرت في العراق لتؤسس دولة الخلافة العباسية ، ومنها الكثير من القادة الكبار والعلماء الأفذاذ (انظر البداية والنهاية لابن كثير) ..
وبلاد الأفغان معروفة منذ القدم بمشاكلها الداخلية لاختلاف الأعراق والمذاهب فيها وقوة رجالها وأنفتهم وتعصبهم ، ولا تستقر هذه البلاد إلا بوجود حكومة مركزية قوية تُحكّم شرع الله .. وقد ذكر ابن بطوطة أفغانستان في رحلته فقال "يكثر فيها القتل وقطع الطريق" ، وقد تعرض هو بذاته للسرقة فأُخذت أمواله وسُلبت ملابسه !! ..
لقد استعصت هذه البلاد على الغزاة من الخارج طوال تاريخها لطبيعتها الجبلية المنيعة حيث تتخللها سلسلة جبلية تشكل معظم أراضيها ، وهي :
1. جبال هندوكش : وهي أبرز مظهر في تضاريس أفغانستان وتلي جبال الهيمالايا في الارتفاع ، وهي بصورة عامة منطقة موحشة إلّا من بعض القرى الجبلية التي يقطنها بعض الرعاة .
2. جبال سليمان : وهي جبال عظيمة الارتفاع وتمتد من هضبة بامير وتتجه جنوبا في سلاسل متقاربة تحتضن بينها أودية عميقة ، وهذه الجبال هي الدرع الواقي والحصن المنيع لأفغانستان عند حدودها الشرقية .
3. هضبة بامير : وهي أعلى هضاب في العالم وأشدها وعورة وأشقها مرتقى ، وتسمى عادة "سقف العالم" .
4. ومن الجبال الأخرى المعروفة في أفغانستان جبال تبريز وجبال تودغر وجبال سين غر .
وهذه الجبال هي التي يتحصن فيها المجاهدون الأفغان والمهاجرون اليوم في حربهم ضد النصارى الكفار الأمريكان ، نسأل الله للمجاهدين النصر والتمكين ..
لم تمتنع أفغانستان من الغزاة بجبالها فقط ، بل امتنعت بصلابة أهلها وقوة شكيمتهم ، فالشعب الأفغاني شعب قوي شديد متمرس على القتال ، وقد وصفهم بعض المؤرخون فقال بأن لهم : وجوهاً من الصخر ، وقلوب أسود ، وعيون صقور ، وسيقان فهود !!
لقد كان البريطانيون يطلقون على الأفغاني لقب "التيس الجبلي" وذلك لإستحالة ترويضه ، وكانت هناك كلمة شائعة في الإمبراطورية البريطانية ، حيث كانوا يقولون : "لقد استطعنا أن نخضع جميع العالم لسطوتنا إلا البدوي في صحراء جزيرة العرب والتيس الجبلي في أفغانستان" !!
لقد كانت أفغانستان مرتعاً للفتن والقلاقل على مر العصور ، ولعل الجهل المتفشي بين العوام مع ما في طبيعتهم من عناد وأنفة بالإضافة إلى تسلحهم الذي يعد من الأعراف المحترمة بينهم ساعد على تكوين هذا الجو المشحون بالتصادم والتناحر ، ولكن الأمر الأهم الذي أوجد مثل هذه الإضطرابات في هذه البلاد هو وجود أقليات طائفية وعرقية متعصبة لمذاهبها الدينية ، فمن هذه المذاهب :
1- المذهب السني (الحنفي) : ويدين به أغلب سكان أفغانستان ، فغالبية البشتون ومعظم الطاجيك والأوزبك وبعض الهزارة من أهل السنة الأحناف ..
2- المذهب الرافضي الجعفري : وهم أكثر قبائل الهزارة والقزلباش وكثير من الطاجيك ، وعلى رأس رافضة الطاجيك اليوم "إسماعيل خان" حاكم هراة .
3- المذهب الإسماعيلي : ومركزهم بغلان وبدخشان ، ولهم نشاط كبير وخطير لتقويض دعائم حياة المجتمع الأفغاني المسلم .
4- الشيوعية : بدأت الشيوعية في أفغانستان في عهد الملك "أمان الله خان" الذي حكم بين (1919- 1928م) ، والشيوعيون أخلاط من شتى القبائل وعقيدتهم في اضمحلال بعد هزيمة السوفييت على أيدي المجاهدين ، ولله الحمد.
5- العلمانية : وهم خليط من العرقيات الأفغانية ، تأثروا بالغرب الكافر وبمدنيته فسقطوا فيما سقط فيه إخوانهم المرتدين في سائر بلاد المسلمين ..
6- الصوفية : تغلب على أكثر سكان أفغانستان المسحة الصوفية لإنتشار الجهل بين عامة الشعب ، وهناك الكثير من غلاة المتصوفة في هذه البلاد.
7- وهناك طائفة يهودية قليلة العدد جداً منبوذة لا تأثير لها على مجريات الأحداث (ولعلها اندثرت).
وهنا يتبين لنا بطلان التعميم الذي يطلقه كثير من الناس على الشعب الأفغاني : فكثير من العوام لا يدركون هذه الخلفية العقدية لبلاد الأفغان ، وعندما يقوم بعض الأفغان بممارسات خارجة عن الشريعة الإسلامية يُطلق هؤلاء الحكم على سائر الأفغان فيرمونهم بالبعد عن الدين وبالكفر والشرك وما إلى ذلك ، وقد استغل أعداء الإسلام - من الكفار والمنافقين - هذا الجهل وأخذوا يخلطون على الناس بهذا التعميم لينفروا المسلمين من إخوانهم في الدين في أفغانستان !!
لا أعرف فترة رخاء أو استقرار مرت في تاريخ أفغانستان القديم أو الحديث إلا في ظل حكم إسلامي قوي يردع الظالم ويأخذ بيد المظلوم ويحكم البلاد بحكم شرعي مدعوم بيد من حديد : كما كان في عهد الإمارة الإسلامية .. وكم هي خاطئة العبارة التي يتداولها الكثير من الكتاب بأن "أفغانستان بلد أنهكتها الحروب على مر (20) عاماً " !! فالحقيقة أن أفغانستان لم تتوقف فيها الحروب منذ قرون كثيرة إلا لفترات إستثنائية قصيرة ، وأهلها قد ألفوا هذه الحروب وعدوها جزء من حياتهم ..
مع أمير المؤمنين !!
وبمعرفة هذه الخلفية الثقافية والعرقية لأفغانستان وقندهار والبشتون تتضح بعض معالم شخصية أمير المؤمنين – حفظه الله – ، هذا الرجل الذي وقف في وجه العالم مدافعاً عن عقيدته ومبادئه ..
فمن بطن قندهار ، ومن صلب قبائل البشتون الجبلية ، ومن أرض الأفغان الأبية خرج أمير المؤمنين المللا محمد عمر حفظه الله :
وُلد – حفظه الله - في "أورزجان" ، وكان مولده سنة 1962 ميلادية ، أي أن عمره - لحظة كتابة هذه المقالة - حوالي الأربعة والأربعين سنة .. بدأ حياته الجهادية بعيداً عن الأضواء ، ليست له خطب جماهيرية أو مقابلات صحفية ، أمضي فترة الجهاد ضد القوات السوفيتية قائداً لمجموعة من المجاهدين في جبهة القائد ملا "تيك محمد" التابعة للجمعية الإسلامية بولاية قندهار ، وجرح في المعارك ضد السوفيت وفقد إحدى عينيه ، ثم انتقل من منظمة إلى منظمة حتى أستقر آخر الأمر - قبل ظهور حركة الطلبة - في "حركة الإنقلاب الإسلامية" (بقيادة : مولوي محمد نبي) ، وبعد دخول المجاهدين كابول أراد أن يكمل دراسته في مدرسة صغيرة بمنطقة "سنج سار" بمديرية ميوند بولاية قندهار ، ولكن الفساد العارم والبلاء المستطير الذي حل بأفغانستان نتيجة تصارع الأحزاب الجهادية السالفة على السلطة جعل الملا عمر يبدأ في التفكير بمحاربة الفساد والقضاء على المنكرات التي انتشرت في تلك المنطقة ومعظم أفغانستان ..
جمع من دونه من طلاب المدارس الدينية والحلقات لهذا الغرض في صيف (1994) ، وبدأوا العمل بمساعدة بعض التجار والقادة الميدانيين ، قام ومعه فريق صغير من طلاب العلوم الشرعية والمولوية الأفغان في قندهار بمطاردة بعض اللصوص الذين كانوا قد سرقوا قافلة من المسافرين وخطفوا بعض النساء قرب قندهار ، فاستولى الطلاب ، وعلى رأسهم الملا محمد عمر ، على أسلحة اللصوص وعثروا على بعض النسوة مقتولات . ثم فر اللصوص أمامهم من قندهار . فعزل أهل تلك الجهة واليها التابع لرباني (حاكم كابل آن ذاك) لعجزه عن الاحتساب على اللصوص وعينوا الملا محمد عمر أميراً عليهم . فأعلن تطبيق الشريعة في قندهار التي فرحت به وبأتباعه من طلبة العلم الشرعي .
وهذه قصة البداية يرويها أمير المؤمنين بنفسه والتي جاءت على لسانه في تسجيل بثته إذاعة "صوت الشريعة" في قندهار، وكانت الإذاعة الناطقة باسم الإمارة الإسلامية ، قال حفظه الله :
" كنت أدرس في مدرسة ببلدة "سنج سار" بقندهار مع حوالي 20 من زملائي الطلاب ، فسيطر الفساد على الأرض ، واستشرى القتل والنهب والسلب وكان الأمر بيد الفسقة والفجرة ، ولم يكن أحد يتصور أنه من الممكن تغيير هذا الوضع وإصلاح الحال ، ولو فكرت أنا أيضًا وقلت في نفسي {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} لكفتني هذه الآية ، ولتركت الأمر ، لأنه لم يكن في وسعي شيء ، لكنني توكلت على الله التوكل المحض ، ومن يتوكل على الله هذا النوع من التوكل لا يخيب أمله أبدًا .. لعل الناس يتساءلون :
متى بدأت الحركة ؟
ومن كان وراءها ؟
ومن يمولها ؟
ومن يوجهها ويديرها ؟ .
وأقول : بداية الحركة أنني طويت الكتب في المدرسة في سنج سار ، وأخذت معي شخصًا آخر وذهبنا مشيًا على الأقدام إلى منطقة زنجاوات ، واستعرت من هناك دراجة نارية من شخص اسمه سرور ، ثم ذهبنا إلى تلوكان .. هذه هي بداية الحركة ، وأخرجوا كل تصور غير هذا من أذهانكم .
بدأنا نزور الطلاب في المدارس وحلقات الدرس في صباح ذلك اليوم ، وذهبنا إلى حلقة درس يدرس فيها حوالي 14 شخصًا ، فجمعتهم في دائرة حولي وقلت لهم : إن دين الله يداس تحت الأقدام ، والناس يجاهرون بالفسق ، وأهل الدين يخفون دينهم ، وقد استولى الفسقة على المنطقة كلها ، يسلبون أموال الناس ، ويتعرضون لأعراضهم على الطرق العامة .. يقتلون الإنسان ثم يسندونه إلى حجر على قارعة الطريق ، وتمر به السيارات ويرى الناس الميت ملقى على قارعة الطريق ولا يجرؤ أحد على أن يواريه التراب .
قلت لهم : لا يمكن الاستمرار في الدراسة في هذه الظروف ، ولن تحل هذه المشكلات بالشعارات المجردة ، نريد أن نقوم نحن الطلبة ضد هذا الفساد ، إن أردتم العمل لدين الله حقيقة فلنترك الدراسة ، وأصارحكم القول بأنه ما وعدنا أحد أن يساعدنا بروبية واحدة ، حتى لا تظنوا أنا سنوفر لكم الطعام ، بل سنطلب الطعام والمساعدة من الشعب .
قلت : إن هذا ليس عمل يوم ولا أسبوع ولا شهر ولا سنة ، بل سيأخذ وقتًا طويلاً .. هل تستطيعون القيام بذلك أم لا ؟
وكنتُ أشجعهم وأقول لهم : إن هذا الفاسق الجالس في مركزه مثل القدر الأسود لشدة الحر (وكانت تلك الأيام في فصل الصيف شديدة الحرارة) يحارب دين الله علانية ، ونحن ندعي أننا من أهل دين الله ولا نستطيع أن نقوم بعمل شيء لنصرة شرعه .
قلت لهم : إننا إن فتحنا منطقة سندافع عنها ، ثم لا تعترضوا لعدم وجود دراسة أو لعدم توافر المال والسلاح ، فهل تستطيعون القيام بهذا العمل .. أم لا ؟
فلم يوافق أحد من هؤلاء الـ14 على القيام بهذا العمل ، وقالوا : يمكن أن نقوم ببعض الأعمال أيام الجمعة ، فقلت لهم من سيقوم به في الأيام الأخرى ؟
أشهد الله على أن الحقيقة هي هذه ، وأنني سأشهد بذلك أمام الله عز وجل يوم الحشر ..
هذه الحركة نتيجة التوكل المحض لأنني لو قست على هذه الحلقة باقي المدارس والحلقات لعدت إلى مدرستي ، لكنني وفيت بالعهد الذي كنت قطعته على نفسي لله تعالى فعاملني بما ترون ، فذهبت إلى حلقة درس أخرى وكان فيها حوالي 7 طلاب ، فعرضت الأمر عليهم كما عرضت على طلاب حلقة الدرس الأولى فاستعد الجميع للعمل .
هؤلاء كلهم أمة واحدة ، لم تكن بينهم فروق الشباب والشيخوخة أو الطفولة والشباب أو الذكورة والأنوثة ، لكن هذا العمل كان مبنيًا على حكمة من الله تعالى ، فأوقعني منذ بدايته في الامتحان ، فتجولنا على هذه الدراجة إلى صلاة العصر على المدارس وحلقات الدرس ، حتى استعد 53 شخصًا من أهل التوكل المحض ، فعدت إلى مدرستي وقلت لهم : تأتون غدًا الصباح ، لكنهم جاءوا في الساعة الواحدة ليلاً إلى سنج سار ، فكانت هذه هي البداية ..
إن العمل بدأ قبل أن تمضي على الفكرة 24 ساعة ، وكان أحد أصدقائي يصلي بالناس ، فلما صلى بهم صلاة الفجر قال أحد المأمومين إنني رأيت الليلة في المنام أن الملائكة دخلت إلى سنج سار ، وكانت أيديهم ناعمة ، فطلبت منهم أن يمسحوني بأيديهم (للتبرك) ..
وطلبنا في صباح الغد الساعة العاشرة سيارتين من "الحاج بشر" أحد تجار المنطقة ، فأعطانا سيارتين سيارة صغيرة ، وسيارة شحن كبيرة ، فنقلنا هؤلاء الطلاب إلى منطقة "كشك نخود" وانضم إلينا آخرون ، ولما كثر العدد استعرنا الأسلحة من الناس ، فكانت هذه بداية هذه الحركة حتى استمرت" (انتهى كلامه حفظه الله ونصره ومن معه من المجاهدين) ..
نعم ، هذه هي بداية الحركة قبل أن تحارب أمريكا الإمارة ، ولكن بعد أن أعلنت أمريكا الحرب على الإمارة الإسلامية تغير التاريخ ، وتغيرت الحقائق ، وأصبح الطلبة عملاء لدولة أجنبية أو دمى في يد المخابرات الباكستانية أو مجموعة همج وقطاع طرق وقتلة يريدون العلو في الأرض والفساد !! وكم قرأنا من كتب وتحليلات وتهم وحِيل ومكر واتهامات كيلت للإمارة الإسلامية بأقلام تدعي الإسلام !! وها هي كتب القوم لا زالت في المكتبات ولا زالت كلماتهم السوداء التي كقلوبهم تحكي قصة الكذب والدجل والعمالة والغباء المتأصل في من لا ثوابت لهم ولا مبادئ ، فتراهم كالغصن يميل مع الريح ، وكالريشة تتطاير مع هواء الأحداث ليس لها قرار !!
ها قد علم القاصي والداني بأن الطلبة لم يكونوا في يوم من الأيام ألعوبة في يد المخابرات الباكستانية ، فها هي الحكومة الباكستانية رمتهم وأمريكا عن قوس واحد .. وها هم الطلبة أثبتوا (كما سيأتي) للعالم أجمع بأنهم أهل السياسة وأصحابها وسابري غورها ، فلم تنطلي عليهم حيل أمريكا ومنافقي العراب والعجم وسائر أهل الأرض ، ولم يعبهوا بهذه الالاعيب القديمة والسياسات الملتوية فثبتوا ثبوت الجبال وصمدوا صمود الأبطال وأبطلوا جميع حيل الكفار ..
نعود غلى أمير المؤمنين والأحداث :
انتشر خبر الأمن والارتياح الحاصل في قندهار فحضرت وفود من طلبة العلم وأهالي الولايات الجنوبية الغربية المجاورة لقندهار وطالبت هؤلاء الطلاب بتسلّم إدارة تلك الولايات وتطبيق الشريعة فيها ، وأعانوهم على وضع تلك الولايات تحت سلطانهم وحكم الشريعة ، وبذلك سيطر الطالبان (جمع كلمة "طالب" بالبشتو ، ويقصدون بها طالب العلم الشرعي) على نحو خُمس أفغانستان بلا قتال وإنما رغبة من الأهالي بالشريعة والأمان .
ونتيجة لمكانة العلماء والمولوية والملالي طلاب العلم الشرعي في المجتمع الأفغاني ، تقدم الطلبة إلى الولايات الأخرى شمالاً وشرقاً دون عناء يُذكر ، ولم يعلن رباني - الحاكم في كابل - موقفاً منها لعلمه بأن قوات غريمه حكمتيار هي التي تفصل بين مناطقهم وكابل ، بل عرض مساعدته لهم كحركة شرعية تقوم بالاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن حكمتيار أصدر أمراً لقواته بعدم التسليم للطلبة وبدأ القتال معهم في منطقة غزني ثم شمالاً وصولاً إلى كابل حيث سقطت مواقعه الواحدة تلو الأخرى بدون قتال أو بقتال خفيف حيث تردد معظم القواد والأحزاب وحتى السراق وقطاع الطرق في قتال طلبة العلم الشرعي ..
سلمت الأحزاب الأخرى مثل حزب "يونس خالص" وقوات "حقاني" مناطقهم للطلبة في بكتيا وخوست وامتنع معظم قواد "سياف" عن قتال الطلبة وسلموا "ننكرهار" وعاصمتها "جلال أباد" لما رأوا من سلوك الطلبة وتطبيقهم الشريعة وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ونشرهم الأمان وملاحقتهم قطاع الطرق وتأمينهم للسبل .
وبعد وصول الطلبة إلى مشارف كابول عُقد اجتماعا عاما للعلماء فيه (1500) شخص واستمر من (31/3 وحتى 3/4/1996) وتم انتخاب " الملا محمد عمر" أميراً لحركة الطلبة رسميا ولقب بـ "أمير المؤمنين" ومنذ ذلك اليوم تعتبره "طالبان" أميرا شرعيا لها ، له في نظرهم جميع حقوق الخليفة ..
وصل الطلبة إلى تخوم كابل وتقدموا إلى رباني بطلبات من نقاط عدة ، أهمها :
1- تطبيق الشريعة.
2- إخراج الشيوعيين وأذنابهم من الحكومة.
3- إخراج النساء من دوائر الدولة .
4- منع الفساد ودور الدعارة والسينما والموسيقى والفيديوهات الفاسدة التي انتشرت في كابل .
طلب رباني منهم وفداً للتفاوض معهم ، فأرسلوا له وفدا غدرت بهم قوات وزير دفاعه بعد أن عاهدوهم على تسليم السلاح ووقف القتال وبدء التباحث ، فقتلوا عدداً من وفد الطلبة الذين جاؤوهم (ذكر أن عدد الذين قتلوا كان نحو مائتين وخمسين من الطلبة) ، فما كان من الطلبة إلا أنهم هاجموا كابل التي سقطت بسرعة كبيرة في ليلة السادس والعشرين من سبتمبر 1996م ..
استولى الطلبة على المناطق الشمالية في أفغانستان عام 1997 للميلاد ، وسقطت باميان (مركز الرافضة في أفغانستان) سنة 1998 م ، وسقط قبله وادي كيان الذي تستحكم فيه قوات الإسماعيلية الأغاخانية ، وغنم الطالبان فيه غنائم تستعصي على الحصر من السلاح ، ويذكر أن أهل السنة لم يدخلوا هذا الوادي الإسماعيلي منذ 800 سنة مضت ..
هكذا ، وفي أقل من أربعة سنوات ، سيطر الطلبة على (95%) من أرض أفغانستان منذ أن تحرك الملا محمد عمر – حفظه الله – وإخوانه للذود عن شرف مجموعة من النساء المسلمات خطفهن بعض اللصوص وقطاع الطرق ..
كتبه
خادم أمير المؤمنين
حسين بن محمود
29 ذو القعدة 1426هـ